القصص التي يختارها الأطفال وتخشى منها عقول الكبار!

في عالم أدب الطفل، حيث تتقاطع الأحلام الصغيرة مع تصوّرات الكبار، يبقى سؤالٌ جوهري يطرق أبواب كل من يعمل في هذا المجال: من يملك حق رسم معالم القصص التي يقرؤها الأطفال؟ هل الطفل فعلاً هو صاحب الحلم وصانع الخيال في كتابه، أم أن الكبار—كتّابًا وناشرين ومربين—هم من يختارون له عالمه ويضعون حدود مغامرته؟ هذه القضية لم تعد مجرد جدل ثقافي أو تربوي، بل صارت تمثل جوهر أزمة الإبداع في كتب الأطفال العربية، وتجعلنا نعيد النظر في علاقتنا مع الطفل كقارئ، ومع أنفسنا كصنّاع للدهشة أو القوالب الجاهزة.

 

قرار بيد الكبار.. الطفل في الظل!

الحقيقة الواضحة في معظم إصدارات كتب الأطفال العربية هي أن القرار بيد الكبار تمامًا؛ فالآباء والمربون والناشرون هم من يختارون مضمون الكتب، اعتمادًا على رؤيتهم لما هو مناسب أو مفيد للطفل.

قد تبدو هذه النظرة منطقية في البداية، إذ يظن الكبار أنهم يحافظون على سلامة الطفل ويقدمون له ما يناسب مرحلته العمرية، لكن ما يحدث في الواقع هو فرض وصاية كاملة على ذائقة الطفل وخياله، وهنا، نتساءل: هل ما نراه جيدًا هو فعلاً ما يحتاجه الطفل أو يريده؟!

المفارقة تكمن في أن كثيرًا من الموضوعات التي تشغل بال الأطفال، وتثير خيالهم، لا تصل أبدًا إلى صفحات كتبهم، فهناك دائمًا “حواجز” أو محظورات ثقافية أو اجتماعية تمنع الكاتب والناشر من الخوض في مغامرات جديدة يطلبها الأطفال أو يتساءلون عنها.

هذا يجعل الطفل في الظل، متلقيًا لا مشاركًا، قارئًا لا صوت له.

 

الطفل حين يختار قصته

على النقيض من ذلك، نجد في التجارب العالمية نماذج مختلفة تمامًا، ففي زياراتي لمعارض كتب الأطفال الدولية، رأيت مبادرات مبتكرة يختار فيها الأطفال مضمون كتبهم بأنفسهم، ففي ورش الكتابة والرسم، يُعطى الأطفال الحرية الكاملة في التعبير عن أفكارهم وأحلامهم وحتى مخاوفهم، ثم تتحول هذه الأفكار إلى قصص مطبوعة تجد صداها لدى آلاف الأطفال الآخرين.

حين يُمنح الطفل فرصة المشاركة في اختيار ما يريد قراءته، تصبح القصص أكثر صدقًا وقربًا من عوالمه، لاحظت في تجارب عديدة، خاصة في الدول الاسكندنافية وكوريا واليابان، أن هذا النهج في صناعة الكتب يؤدي إلى كتب تحترم ذكاء الطفل، وتعزز من ثقته بنفسه، وتمنحه الإحساس بأنه شريك حقيقي في صناعة الحلم.

 

تجربة شخصية.. بين خوف الكبار وجرأة الأطفال

في التجارب العالمية الحديثة، أصبح الطفل هو صاحب القرار الحقيقي في تجربة القراءة، ففي كثير من الدول، يُمنح الأطفال الحرية لاختيار القصص التي تثير اهتمامهم بأنفسهم، دون تدخل مباشر من الكبار، يرى الطفل الغلاف في المكتبة أو المعرض، يتصفح القصة، يناقش ما يجذبه، ثم يقرر إن كان سيشتريها من مصروفه الخاص أو يطلبها كهدية، وبعد القراءة، يُشجَّع الطفل على الحديث عن القصة، مشاركًا رأيه وأفكاره، سواء في المدرسة أو في البيت.

من المهم هنا الإشارة إلى ضرورة وجود رقابة أبوية واعية ترافق هذا الاختيار، رقابة تحمي الطفل من المحتوى غير المناسب، ولكنها لا تتحول إلى تسلّط أو قهر يلغي شخصية الطفل ورغبته في الاكتشاف.

بهذا الأسلوب المتوازن، تتحول القراءة إلى تجربة شخصية حقيقية، وتتعزز لدى الطفل الثقة بقدرته على الاختيار والتقييم، وتُفتح أمامه أبواب الخيال والنقاش بلا وصاية أو خوف.

 

شراكة حقيقية.. طريق المستقبل

لذلك، يجب أن نعيد التفكير في علاقتنا بالطفل كمتلقٍ للمحتوى الأدبي، من حقه أن يكون شريكًا في القرار، وصوته يجب أن يكون مسموعًا في كل مراحل صناعة الكتاب: من الفكرة، إلى النص، وحتى الرسومات.

الكاتب، الناشر، المربي، وأولياء الأمور، عليهم جميعًا أن يمنحوا الطفل مساحة التعبير عن نفسه، لأن مستقبل أدب الأطفال العربي لن يكون حقيقيًا إلا إذا خرج من قلب الطفل نفسه. فقط عندما يصبح الطفل شريكًا في القصة، سنرى كتبًا تحكي بصدق عن عالمه، وتحمل في صفحاتها روحًا تلامس قلبه وتبني شخصيته.

إن صناعة كتاب طفل عربي حقيقي تبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنسمع صوت الطفل ونحترم فضوله ورؤيته للعالم، بدل أن نفرض عليه ما نظنه صحيحًا من منظورنا نحن، وقد يبدو الطريق نحو إشراك الطفل في صناعة قصته معقدًا أو بطيئًا، لكنه وحده القادر على تحويل القراءة من واجب إلى شغف، ومن تلقين إلى اكتشاف.

حين نمنح الطفل حرية المشاركة والاختيار، نصنع جيلًا جديدًا من القرّاء والمبدعين الذين يملكون القدرة على الحلم والتساؤل وصياغة العالم بلغتهم الخاصة، فهل نملك نحن، صناع الكتاب والكلمة، الجرأة لنترك الباب مفتوحًا أمام الطفل ليكون قائد رحلته؟

ذلك هو التحدي الحقيقي… وتلك هي البداية لصناعة أدبٍ طفلٍ لا يشبه إلا ذاته.

Loading

تحت القصف

تحت القصف

كانت السماء في تلك الليلة ترتجف بين صوت القذائف وأزيز الطائرات، ولم يكن لأحد أن يميز بين دمعة وقطرة مطر، ...
حين يكون الضعف بداية جديدة

حين يكون الضعف بداية جديدة

جلس على كرسيه في زاوية الغرفة، عيناه تغرقان في تفاصيل لا تُرى، وكأن الحاضر قد انسلّ من بين يديه. لم ...