تشير التقديرات الاقتصادية العالمية إلى تباطؤ واضح في نمو الاقتصاد خلال 2025–2026، إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تراجع النمو من 3.2% في 2025 إلى 2.9% في 2026، فيما تقدّر الأمم المتحدة نموًا بنحو 2.5% في 2026 وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة (3.2%). مع تراجع في الإنفاق الاستهلاكي على القطاعات غير الأساسية في معظم الأسواق، وهو ما يجعل قطاعات الثقافة والإبداع وفي مقدمتها النشر والكتاب من أكثر القطاعات تأثرًا بحالات الركود مقارنة بالقطاعات الخدمية الأساسية، لهذا يتجه عام 2026 لأن يكون عامًا ضاغطًا على النشر الورقي عالميًا، ليس فقط بسبب تباطؤ الاقتصاد وارتفاع التكاليف، بل أيضًا بسبب تسارع الرقمنة واعتماد الناس على المحتوى الرقمي، وظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التي غيرت سلوك القراءة والبحث والتعلم.
في هذا السياق، يصبح التحدي مزدوجًا: كيف نحمي جدوى الورقي اقتصاديًا؟ وكيف نتعامل مع موجة الرقمنة دون أن تبتلع قيمة الكتاب وحقوقه؟
لماذا يُتوقع أن يكون 2026 عامًا صعبًا؟
-
تراجع الإنفاق غير الضروري: القارئ أصبح أكثر حذرًا.
-
ارتفاع كلفة الورق والطباعة والشحن: ضغط مباشر على الأسعار والهامش.
-
حساسية المخزون والإرجاعات: خطأ بسيط في تقدير الكميات يضر السيولة.
-
سحب الانتباه للمحتوى الرقمي: الهاتف ينافس الكتاب على وقت الجمهور.
التحول للمحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي: أثر متصاعد
-
القارئ صار يتوقع محتوى أسرع وأكثر تركيزًا، ويقارن الكتاب ببدائل رقمية كثيرة (ملخصات، فيديوهات، بودكاست).
-
الذكاء الاصطناعي زاد فيض المحتوى، فصار “التميّز والجودة” أهم من كثرة الإصدارات.
-
الكتب العامة التي تُختصر بسهولة تتأثر أكثر، بينما الكتب ذات التجربة العالية أو القيمة المرجعية تصمد.
القرصنة والتزوير: لماذا تتضاعف في سنوات الركود؟!
في الضغط الاقتصادي، يبحث جزء من الجمهور عن الأرخص، فتنتعش نسخ PDF والكتب المزورة بأدوات التقنية الجديدة أبرزها الذكاء الاصطناعي وبمباركة من بعض دور النشرأحياناً! هذه ليست مشكلة ناشر فقط، بل تضرب المنظومة كاملة: مؤلف/ناشر/مكتبة/متجر/قارئ.
الإسقاط على العالم العربي: لماذا التأثير غالبًا أكبر؟!
-
الاعتماد العالي على معارض الكتب كموسم سيولة.
-
ضعف التوزيع الإقليمي وارتفاع الشحن والجمارك والضرائب المضافة.
-
حساسية العملات والاستيراد في معظم البلدان العربية
-
انتشار القرصنة والتزوير مع ضعف تنفيذ الحقوق.
-
جمهور شاب يعيش رقميًا، فيقل وقت القراءة الورقية لصالح المحتوى السريع.
توصيات عملية للمرحلة القادمة (2026)
1) توصيات للناشرين:
- طبعات أصغر على دفعات + تقليل المخزون الراكد.
-
اختيار عناوين “أكثر ضمانًا” أو سلاسل قابلة للاستمرار.
-
تعزيز قيمة الورقي (جودة، تصميم، طبعات خاصة، محتوى مرافق رسمي).
-
استخدام الذكاء الاصطناعي داخليًا لرفع الكفاءة (تسويق/تحرير/تحليل) بسياسة واضحة تحمي الهوية والحقوق.
-
البيع المباشر وشراكات المدارس والمؤسسات التعليمية لتعويض ضعف السوق.
2) توصيات لمعارض الكتب:
-
توازن بين البيع الجماهيري والجانب المهني (حقوق/ترجمة/توزيع).
-
حلول شحن موحدة مخفضة للناشرين.
-
منصات بيع رقمية مرتبطة بالمعرض لتوسيع الجمهور خارج المدينة.
- خفض أو مرونة في رسوم المشاركة ورسوم أجنحة المعارض، خصوصًا للناشرين الصغار والمتوسطين، لتقليل العبء المالي وتشجيع الاستمرار والمشاركة الواسعة في سنوات الركود.
3) توصيات لاتحادات الناشرين:
-
خطة تنفيذية لمكافحة التزوير والقرصنة (قانونيًا وميدانيًا).
-
التفاوض الجماعي على الشحن والطباعة لتخفيض الكلفة.
-
تدريب على التسعير، إدارة الحقوق، والبيع المباشر.
- تقنين الذكاء الاصطناعي في محتوى الكتاب (نصاًو رسماً)، ووضع ضوابط لاستخدامه بما يحفظ الحقوق ويضمن الجودة.
4) توصيات لوزارات الثقافة والجهات الرسمية:
-
شراء مؤسسي للمكتبات والمدارس لدعم الطلب الأساسي.
-
دعم الطباعة أو قروض ميسرة مرتبطة بخطط واضحة.
-
تسهيل انتقال الكتب بين الدول لتقوية التوزيع.
-
حملات وطنية للقراءة تناسب الجيل الرقمي (ليس بالشعارات فقط).
- منح شراء الكتب، وتقديم برامج شراء مدعومة من الناشرين والمكتبات والمتاجر لدعم السوق وتنشيط الطلب الثقافي.
توصيات لمتاجر الكتب والمكتبات الورقية (محور مهم في 2026):
في 2026، المكتبة ليست مجرد مكان بيع، بل يجب أن تصبح وجهة وتجربة ومجتمعًا، وهذه أهم التوصيات العملية:
1) إدارة المخزون بذكاء وتقليل المخاطرة:
-
تقليل العناوين “الباردة” والتركيز على العناوين السريعة الدوران، مع الحفاظ على جودة المحتوى.
-
اعتماد نظام طلبات مرنة مع الناشرين: كميات أقل + إعادة تزويد أسرع بدل تخزين طويل.
-
بناء قوائم الأكثر مبيعاً لكل فئة تُراجع شهريًا (أطفال/رواية/تطوير ذات/دين/تعليم…).
2) تحويل المكتبة إلى تجربة:
-
زوايا قراءة، فعاليات توقيع، نادي كتاب شهري، جلسات قصص للأطفال.
-
مناسبات موسمية: رمضان، الصيف، العودة للمدارس، الأعياد، بعروض حزم لا تخفيضات عشوائية.
-
تقديم هدايا ذكية: تغليف، بطاقات إهداء، باقات (كتاب + فاصل + قلم) بهامش ربح جيد.
3) تسعير وتسويق يناسب الركود:
-
حزم بأسعار ثابتة (باقات) بدل تخفيضات تضر بالهامش.
-
رف اقتصادي (طبعات مخفضة/كتب صغيرة/عروض 2+1) لجذب الباحثين عن الأرخص بدون ضرب السوق.
-
إطلاق برنامج ولاء بسيط (نقاط/خصم بعد عدد مشتريات) لتحسين التكرار.
4) البيع الهجين بدون أن تفقد المكتبة هويتها الورقية:
-
متجر إلكتروني خفيف أو طلب عبر واتساب/إنستغرام + توصيل واضح وسريع.
-
عرض المخزون الأكثر طلبًا أسبوعيًا عبر محتوى بسيط (ترشيحات موظفي المكتبة).
-
ميزة “احجز واستلم من الفرع” لتقليل كلفة الشحن وزيادة الزيارات.
5) دور المكتبة في مواجهة القرصنة (بطريقة ذكية):
-
توفير بدائل بأسعار معقولة (طبعات اقتصادية/عروض حزم).
-
توعية ناعمة داخل المكتبة، مثلاً: “اشتراكك بكتاب أصلي يدعم المؤلف” بدون خطاب حاد.
-
التعاون مع الناشرين لنسخ خاصة للمكتبات (طبعة مكتبية بسعر مناسب).
6) توسيع مصادر الدخل (ضروري في 2026):
-
مستلزمات قراءة وهدايا ثقافية (دفاتر، أقلام، فواصل، حقائب كتب).
-
ركن أطفال مدفوع (ورش قصيرة/قراءة قصص) يرفع الزيارات والمبيعات.
-
اشتراكات شهرية، مثلاً: “صندوق أو باقة كتب” للأطفال أو للكبار حسب الاهتمامات.
7) شراكات مؤسسية تضمن مبيعات مستقرة:
-
اتفاقيات مع المدارس والحضانات: قوائم قراءة، مكتبات صفية، هدايا نجاح.
-
تعاون مع الشركات مثلاً: “هدايا موظفين” أو “مكتبة صغيرة للمكتب”.
-
تفعيل البيع بالجملة للجهات الحكومية/الأهلية في مواسم محددة.
عام 2026 لن يرحم النموذج التقليدي الثابت. الناشر يحتاج مرونة، والمعرض يحتاج تطوير، والجهات الحكومية والاتحادات عليهما تنظيم ودعم، أما المكتبة الورقية فمطلوب منها أن تتحول من نقطة بيع إلى منصة تجربة وذوق وثقافة وخدمة.
من ينجح في هذا التحول سيجد أن الورقي ما زال قادرًا على الاستمرار لكن بشروط جديدة.
![]()
