جاءت الجثة الأخيرة قبل الفجر بقليل، ملفوفة بقماش خشن، لا يحمل علامة، طفلة لا تتجاوز الخامسة، نحيلة كعود قصب، قدماها حافيتان، وثمة جرح مائل على خدها الأيسر، كأنه خُطّ بظفر من نار.
بدأت الطبيبة العمل كما اعتادت، قلبها لم يكن في صدرها، بل في دفترها، وعقلها لا ينظر إلى الجسد، بل إلى التقرير الذي ينبغي أن يُنجز كجزء من عملها في المشرحة.
أخذت تنزع الغطاء، وتعدّ المواضع.. الجمجمة، الصدر، البطن، الأطراف… وحين بلغت عظم القص، تردّدت يدها للحظة، الجلد بدا رقيقًا على غير العادة، وكأن شيئًا فيه يريد أن يُفتح… لا أن يُشرَّح! ومع أول شقّ في الصدر، خرج من الطفلة ما لم يخرج من جسد قط!
ضوء خافت… ثم صوت خفي… ثم صورة.. لم تكن الغرفة كما كانت.. بل لم تعد غرفة!
الرمل تحت قدميها.. الهواء دخان.. والسماء مُرّة!
في المدى… خيام تتهاوى، وخيول تركض بلا لجام، وصرخات تقطّع الريح، وأطفال يركضون حفاة، لا يعرفون إلى أين، ولا من سيُمسك بهم أولًا: النار أم السهام؟!
هناك، بين دخانٍ ودخان، رأتها.. الطفلة نفسها .. ليست جثة، بل حياة تهرب.
كانت تركض بخوف، تمسك شيئًا في يدها الصغيرة، تلتفت، تصرخ، لا يسمعها أحد.
هجم عليها رجل، جذبها من أذنها، انتزع شيئًا منها، ضحك، وتركها تتهاوى، النار تلاحقها.. خيمة تسقط.. امرأة تصرخ.. خيول تندفع… والطفلة تهرع إلى التلّ، وحين وصلت القمّة، أدارت رأسها، نظرت نحوها – كأنها تراها – مدّت يدها الصغيرة نحو الفراغ، ثم صرخت… وسقطت تحت سنابك الخيل.
مع صدى الصرخة سُحب الضوء.. وأُغلق الصدر.. وعادت الغرفة كما كانت في المشرحة! كل شيء في مكانه، إلا القلب! جلست الطبيبة صامتة، لا تكتب.. الهواء ثقيل، اليد مرتجفة، والعين لا ترى الجثة كما كانت تراها قبل قليل.. رفعت رأسها نحو الطاولة الجانبية… وهناك، وُضع قرط صغير من ذهب باهت، كأن أحدًا وضعه بلُطف بعد أن غادرت جثة الطفلة.
أمسكته بأطراف أصابعها.. دقيق، ملتوي، عليه نقش لا يُرى إلا إذا اقتربت منه الروح قبل العين:
“أخبِروا أبي… أنني انتظرتُه طويلا“.